السبت، 4 سبتمبر، 2010

الصفحة المطوية: أين الطريق...؟


الصفحة المطوية: الحلقة الثالثة

"الصفحة المطوية قصة مسلسلة على حلقات على صفحات هذه المدونة، ويمكن الوصول لجميع الحلقات من هنا، كذلك يسعدني تلقي أي استفسار أو تعليقات"

بصعوبة بالغة فتح محمود عينيه، كان يشعر وكأن أكياس من الرمال معلقة في جفونه... ثبتت عيناه على السقف وكأنه يريد أن يتأكد أنه هو سقف غرفته، نعم إنه كذلك فهذه الشقوق في الدهان لا يمكن نسيانها، كثيراً ما كان يسرح مع هذه الشقوق متخيلاً أن ستنفتح يوماً وتزداد اتساعاً لتبتلعه مع كامل غرفته!


لم يكن النوم بالمهمة السهلة ليلة أمس فلقد بقى لمدة طويلة يصارع من أجله، هل كان النوم يجافي عينيه أم هو الذي يصده عن الاستيلاء عليهما لا يدري، وحتى في نومه رأى كوابيس ووجوه كثيرة ... رأى وجه حبيبته مشرق وابتسامتها الساحرة على وجهها ولكن فجأة تبدلت ملامحها لتصبح وجه شبورة وهو ينظر له بسخرية عبر سحابات دخان الشيشة!
ثم رأى وكأنه يغرق في البحر ويكاد أن يموت ثم تمتد يد غريبة لتنقذه ولم تكن هذه اليد لسامح صاحبه أو أحد معارفه بل لشخص مجهول لم يتمكن من معرفة من هو...
وهكذا صارت ليلته على هذا النحو...

خارج غرفته وجد الصالة خالية وإن كانت رائحة الطعام الشهية تخبره أن أمه في المطبخ تجهز طعام الغذاء...بنظرة سريعة على الساعة المعلقة على الحائط التي أشارت عقاربها للواحدة والنصف ظهراً أدرك أنه غاب عن العالم طويلاً نائماً...

كان دش الماء البارد المنهمر على جسده بمثابة المطر الذي ينزل فيغسله معه الأرض ويعيد لها الحياة...عاد عقله لصفاءه وإن كان لازال الصداع مصراً على السكون برأسه...كوب شاي من أمه سيكون كفيلاً بالقضاء عليه حتماً...

-          إنت جيت إمتى إمبارح...أنا قلقت عليك أوي وأختك قالت لي قبل متروح الكلية إن جيت قرب الفجر...كنت فين ده كله؟
نظر لوجه أمه الذي بدا عليها القلق وهي تسأله بينما تملأ له كوب الشاي ...تعلقت عيناه ثانية ببخار الشاي المتصاعد وعاد ليرى وجه شبورة...
-          محمود! في إيه يا بني؟!

تنهد بعمق ثم نظرلأمه مرغماً شفتاه على الانفراج بابتسامة أتت شاحبة ثم قال:
-          أبداً مفيش...بس خرجت أنا وسامح شوية وبعدين رحنا نبارك لواحد صاحبنا على خطوبته...

نظرت له أمه بشك وقالت:
-          صاحبكم مين ده؟ أنت مجبتش سيرة يعني وانت خارج عن الحكاية دي؟
أجاب محمود بينما يأخذ رشفة من الشاي:
-          لا منا نسيت اقولك وبعدين الحكاية جت فجأة يعني و...
لم يستطع المضي في كذبه على أمه إذ كانت نظراتها له تسقط إدعاءاته فسكت قليلاً وهو ينظر للأرض وأمه صامتة في انتظار ما سيقول....

-          لمياء ...
أخيراً قال...
-          مالها؟!
سألت أمه في قلق
-          اتخطبت...
قالها دفعة واحدة وكأنه يلقي حمل عن كتفيه، لم يكن يخفي شيئاً عن أمه، وهي كانت تعلم مقدار حبه للمياء وكيف أنه متعلق بها، لكنها في هذه اللحظة كانت ترى ابنها على حافة الانهيار، لم يكن الخبر مفاجأة لها فهي كانت تتوقعه دائماً خاصة وهى تعلم ظروف ابنها وصعوبة ارتباط حالياً...

وضعت يدها على كتف ابنها تربت عليه بعطف وهي تقول:
-          معلش يا ابني ... كل شيء قسمة ونصيب وبعدين محدش عارف الخير فين... لازم نقول الحمد لله على كل شيئ
نظر لأمه في صمت بينما يقول في نفسه... ياريتها بس تيجي على قد كده...اه لو تعرفي أنا مخبي عنك إيه!

-          لازم يابني تفكر في بكره وتسيبك من اللي راح...مش لازم تخليك واقف عند المرحلة دي...وارجع دور على شغل تاني وإن شاء الله ربنا هيسهلهالك ويفتحها في وشك...
كانت لاتزال تضع يدها على كتفه ثم قالت وقد تذكرت شيئاً:
-          أه صحيح على فكرة سامح اتصل بيك مرتين ولما قلت له إنك نايم مرضيش يخليني أصحييك...قوم اتصل بيه يا بني شوف كان عاوزك ليه...
هز رأسه في صمت وصدى صوته يتردد في عقله ...ياريتها تيجي على قد كده!

رن جرس الهاتف في منزل يبدو على أن أصحابه يتمتعون بقدر كبير من الثراء ثم انفتح باب أحد الغرف وخرج رجل في العقد السادس من عمره في ملابس النوم وتوجه للهاتف ورفع سماعته:
-          ألو...أيوه مظبوط مين معايا؟!
صمت يستمع للطرف الآخر ثم علا وجه ملامح القلق:
-          خير في حاجة؟! أيوه صحيح دي عربية بنتي هو في ايه ... بنتي جرى لها حاجة...
كان القلق قد تحول إلى هلع كبير بينما يسأل:
-          يعني ايه لسه متعرفوش..بنتي فين...أنا جاي...جاي حالاً.

داخل قسم الشرطة كان نفس الظابط الذي حرر محضر الاختطاف يجلس في مكتبه وأمامه يجلس ضابط آخر...
-          إزاي ده حصل؟!
كان الضابط يسأل الجالس أمامه في استغراب
-          إمبارح في الكمين شاف عربية بتحاول تهرب فطلع وراها وحصل اللي حصل واتنقل على المستشفى هو والبنت اللي كانوا العيال دول خاطفينها...
-          وهو عامل ايه؟
-          الدكاترة عملولوه أكتر من عملية...ولو اليومين دول عدوا على خير إن شاء الله هيقبى كويس بس الأكيد مش هيرجع ذي الأول...
-          والبنت دي عاملة ايه؟
-          كسور ورضوض نتيجة الوقوع من العربية بس حالها أحسن كتير بس برضو الدكاترة لسه مسمحوش باستجوابها...
-          عندي إحساس كبير إن البنت دي هتكون هي نفس البنت اللي جالنا بلاغ بخصوصها إمبارح...بس مش هنتأكد إلا متفوق أو يأكد لنا كده أبوها اللي اتصلنا بيه...
-          هو هييجي إمتى يا باشا؟
-          المفروض إنه على وصول...
لم يكد ينهي جملته حتى سمعوا طرق على باب الغرفة ثم دخل عسكري وأدى التحية العسكرية وقال:
-          في واحد بره يا افندم إسمه جلال هاشم عاوز سعادتك...
رد الضابط سريعاً:
-          خليه يدخل بسرعة...

خرج العسكري ثم دخل جلال هاشم، كان واضح عليه ذوق رفيع في اختيار ملابسه واهتمامه بأناقته رغم سنوات عمره التي تخطت حاجز الخمسين، وفي توتر بالغ قال:
-          لو سمحت في حد كلمني من القسم وقالي إنهم لقوا عربية بنتي واقفة لوحدها ومقالوليش بنتي فين أنا عاوز أعرف ايه اللي حصل...
-          طب اتفضل ارتاح...أنا الرائد شريف كامل وده زميلي النقيب أسامة السيد ...

بعد أن أخبر الرائد شريف جلال هاشم بتفاصيل البلاغ قال:
-          دلوقتي إحنا ممكن نتحرك كلنا على المستشفى ونشوف هل البنت موجودة هناك هي بنت حضرتك ولا دي مجرد صدفة...
تبادل جلال هاشم معهم نظرة أب...أب مكلوم
"للأسف مش هينفع تستجوبوها دلوقتي هي نايمة لأنها بتاخد جرعات قوية من المسكنات...يعني مش قبل بكره"
هكذا أجاب الطبيب على سؤال الرائد شريف عن إمكانية استجواب جميلة جلال هاشم، كما اتضح من أوراقها الموجودة بالسيارة وكذلك تأكيد جلال هاشم أن ابنته هي الموجود في المستشفى...
-          طيب إيه أخبار الرائد كمال شفيق...هو المفروض وصل في نفس وقت وصول جميلة؟
سأل النقيب أسامة...
هز الطبيب رأسه قائلاً:
-          هو لسه في العناية المركزة واحنا في انتظار أنه يفوق علشان نتأكد من خروجه من مرحلة الخطر...
-          طب ياريت أول ميكون في جديد تبلغونا علطول...وخصوصاَ إننا محتاجين نتكلم مع جميلة في أسرع وقت

عندما وصل الضابطان إلى القسم كانا قد استقرا على خطة التحري والبحث وكانت البداية بجمع معلومات عن سائقي السرفيس الذين يترددون على المقاهي المحيطة للمنطقة التي عُثر فيها على سيارة جميلة وكان هذا بعد تأكيد سامح صديق محمود أن السيارة التي استخدمها الخاطفون هي سيارة سرفيس بينما لم يتمكن من إعطاءهم مواصفات أو رقم لوحة السيارة لأن محمود لم يتذكر هذه النقطة وتحجج سامح بكون المكان مظلم الأمر الذي منعه من ذلك.

جلس الرائد شريف خلف مكتبه وأخذ ينظر لدخان سيجارته في شرود...كان الغضب بداخله يتصاعد وهو يشعر بأن وقت ثمين يضيع من بين يديه في انتظار أن تفيق جميلة، ولقد راجع تقرير القوة التي كانت في الكمين مع الرائد كمال ولم يجد ما يشير إلى رقم لوحة سيارة الخاطفون...
كان أكثر ما يكره هو هذه النوعية من الجرائم التي تتعرض فيها إنثى للاختطاف والاعتداء وهذه المرة شاء القدر أن لا يتمكن هؤلاء الحثالة من اتمام فعلتهم بعد أن طاردهم الرئد كمال الذي يرقد بين الموت والحياة الآن...

وبكل الحزم والغضب في داخله أطفأ السيجارة ونظر في ساعته كانت قد تجاوزت الرابعة والنصف عصراً وللأسف لم يكن هناك شيء يمكن فعله غير الانتظار ... انتظار ومضة معلومة يمسك بها طرف الخيط...

كانت الشمس تلملم بقاياها من على رمال الشاطئ بينما انشغل القليل ممن كانوا على الشاطئ بمتابعة مشهد غروبها وقد بدأت بعض السحب الداكنة بالتسلل إلى السماء علامة على كون الليلة ليلة ممطرة...
كان محمود وسامح من بين الواقفين على الشاطئ يراقبان هذا المشهد في صمت وأخيراً التفت سامح إلى محمود قائلاً:
-          وبعدين أنت هتخليك في الحالة دي لغاية امتى؟
نظر له محمود قليلاً ثم عاد ليراقب غروب الشمس وقال كانه يحادثها لا يحادث صديقه:
-          أي حالة... هو في حاجة حصلت... ده أنا بس ضيعت حلم عمري... وبعدين ورطت نفسي في مصيبة معرفش أخرتها إيه... وقاعد لا شغلة ولا مشغلة ومش عارف بكره مخبي ليه ايه تاني...

تحرك سامح ليقف أمام محمود وقال:
-          أولاً  مش نهاية العالم إنك متقدرش تتجوز اللي كنت عاوزها... والورطة اللي بتحكي عنها فإنت حتى لو كنت غلطان في إنك قعدت مع العيال دي بس انت ملكش علاقة ولا كنت تعرف اللي ناوين يعملوه...غير إننا بلغنا وأكيد الشرطة بتحقق في الموضوع...يبقى ايه اللي باقي إنك تفوق لنفسك وتخرج من الحالة دي...
ابتسم محمود في سخرية:
-          منا هخجرج ... أكيد هخجرج ...إطمن انت بس
-          طب شوف أنا في واحد اتعرفت عليه شغال في شركة سياحة في الأقصر ...إيه رأيك أكلمهولك على شغل...
-          الأقصر ...وأنا ايه اللي هوديني الأقصر...منت عارف مقدرش أبعد عن أمي وأختي
-          طب خلينا بس نكلمه ونسمع منه وبعدين نقرر
أجاب محمود مستلسماً وقال:
-          ماشي ماشي...لما نشوف
كانت قرص الشمس قد غاب تماماً وكانما غاص في قاع البحر في الأفق البعيد وقد بدأت الريح تتأهب ببرودة اقشعرت لها الأجساد، غير أن هذا لم يكن ما يشغل عقل محمود، كان هناك في أحد جنبات عقله شيء ما يخبره أن يقيناً هناك الكثير والكثير في انتظاره...ولم يكن في هذا الكثير ما سيريحه...على الإطلاق

يتبع...

هناك تعليقان (2):

حَـبآيـۃْ.بـטּـدۉڷ يقول...

القصه دي بقت زي المسلسل والله ..

الواحد بيتلهف يتابعها حلقه بحلقه .. :)

فعلاً لسه فيه الكثير والكثير .. المـواقف بدأت تندمج سوياً ودي اكيد البدايه ليس إلا .. :)

متابعه .. :)

شوارعي يقول...

:)
مين عارف يمكن تكون فعلاً مسلسل في يوم من الأيام...

دايماً في انتظار تعليقاتك ...أشكرك

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...