الأربعاء، 28 يناير، 2015

الصفحة المطوية | الحلقة السابعة: في المصيدة

"الصفحة المطوية قصة مسلسلة على حلقات على صفحات هذه المدونة، ويمكن الوصول لجميع الحلقات من هنا، كذلك يسعدني تلقي أي استفسار أو تعليقات"

كانت جميلة قد بدأت تستغرق في النوم أخيراً بعد أن أعطتها ممرضة حقنة مهدأة بناءاً على تعليمات الطبيب، نظر لها أبوها في أسى ثم تنهد بقوة، كان لا يستطيع تخيل ما الذي ممكن أن يصيبه لو فقدها، منذ ثلاث أعوام فقد أمها فجاًة في حادث أليم الأمر الذي شكل صدمة قوية له والأكثر لجميلة التي احتاجت شهور كي تتأقلم على فقدانها..
في هذه الليلة كانت في طريقها لمنزل خالتها في العجمي، كانت تعيش وحدها مع ابنتها وأرادت جميلة أن تقضي عندهم بعض الوقت ولم يشأ أن يعترض رغم خوفها الكبير عليها..
تململ قليلاً في جلسته وهو يشعر ببعض الألم في ظهره جراء الجلوس وقت طويل..نظر في ساعته.. كانت عقارب الساعة تشير للسابعة مساءاً..  فجأة تذكر أنه سمع من أحد الممرضات أن الضابط الذي طارد خاطفي جميلة موجود هو أيضاً في المستشفى.. قام بهدوء ليتحرك نحو باب الغرفة وخرج.. في قرارة نفسه كان يستشعر أنه مدين بحياة ابنته لهذا الضابط الشجاع الذي يرقد الآن بين الحياة والموت.. أراد فقط لو تتاح له الفرصة ليشكره.. ولكن كان لا يدري هل سيتمكن من ذلك أم سيبقى فقط محتفظ داخله بشعور الامتنان والعرفان لهذا الشاب.. من يدري
*********************************************************************************



 ظل محمود شارداً بينما أخته مريم منهمكة في الكلام عن بعض أحداث يومها في الجامعة، كانت تدرس في السنة الثالثة لكلية الطب التي كانت حلم العائلة كلها منذ مولدها، كان كل من حولها لا يناديها إلا بالدكتورة.. كانت ريم تتمتع بملامح طفولية لكن ذات جاذبية مميزة مع عينين واسعتين وأنف دقيقة وجميل تعلو فم صغير متناسق مع ملامحها الرقيقة..
انتبهت مريم أخيراً أن محمود شارد وغير منتبه لها:
-    لاااا .. ده انت مش معايا خالص!
التفت محمود وهز رأسه موافقاً بها:
-    معلش يا حبيبتي.. مخي مشغول بس بمقابلة الشغل اللي عملتها النهارده.. نفسي تظبط بقى
ضحكت ضحكة طفولية وقالت:
-    يا عم ولو مظبطتش.. عادي يعني.. هم الخسرانين.. هم هيلاقوا ذيك شاب حليوة كده ومسمسم يشغلوه فين.. ده انت حتى هتشجع السياحة
ثم تعالت ضحكاتها وحاول هو أن يشاركها الضحك لكن هيهات.. كان كل تفكيره في صديقه سامح الذي لا يدري كيف هو الآن..
جاءت أمهما تحمل كوب من الشاي وهي تنظر لمريم  بعتاب..
-    يلا يا مريم.. شوفي وراكي وسيبي أخوكي دلوقتي.. مش فايق لك.. يلا قومي
نظرت مريم لأخيها وكأنها تنتظر أن يدافع عنها لكنه لم يعلق فقالت
-    امممم هي بقت كده.. طيب أقوم أنا بقى.. شكلكم عاوزين تزحلقوني وتتكلموا في موضوع سري.. وماله.. هو أنا هتزحلق لأعز منكم
ابتسم محمود لأخته التي بادلته الابتسام ثم قامت ذاهبة لغرفتها..
تناولت أم محمود كوب الشاي وأعطته له، قبل أن يتناول أول رشفة ارتفع رنين موبايل محمود الذي وضع الكوب سريعاً ونظر للموبايل، كان المتصل هو سامح.. بادر بالرد بسرعة:
-    ألو.. أيوه يا سامح.. إيه الأخبار
انتبه محمود أن أمه تراقبه بقلق فقام من مكانه ماشياً تجاه غرفته بينما تلاحقه نظرات أمه الحائرة..
جاء صوت سامح هامساً وسريعاً:
-    مش هقدر أتكلم كتير.. بس الشرطة مسكت واد إسمه كرمللة وشكلهم كده مسكوا العيال التانية كمان.. طلبوا مني أنتظر وممشيش.. هبقى أكلمك لما أخلص.. سلام
أنهى سامح المكالمة سريعاً قبل أن يعطي محمود فرصة للرد..
بقى محمود مكانه لا يتحرك.. كان يشعر بشيء من الارتياح والقلق الجم في نفس الوقت.. قلق على صديق عمره الذي ورطه في مشكلة كبيرة ليس له علاقة بها، وقلق أكبر أن يجد نفسه هو الآخر متهم في جريمة لم يرتكبها.. أو ربما سكت عنها...
انتفض محمود فجأة مع رنين موبايله الذي ارتفع مرة أخرى، كان الرقم هذه المرة غريب وليس مسجل عنده.. شعر بخوف رهيب وهو يطالع الرقم.. تردد قليلاً وأخيراً حسم أمره:
-    ألو
-    الأستاذ محمود سعد الدين
جاء صوت رجل على الجانب الأخر
شعر بدقات قلبه تتسارع وكان قلبه سيخرج من صدره
-    أيوه أنا..
صمت الصوت لثوان مرت كدهر على محمود ثم أخيراً قال صاحبه:
-    طيب يا ريت تشرفنا شوية
انخلع قلب محمود وشعر وكأنه حلقه يتشقق ولم يجد كلمة يرد بها.. أي كلمة
**********************************************************************************

تحاشى كرمللة النظر لشبورة وسعيد تماماً بينما كان شبورة يرمقه بنظرات غضب ..
قام الرائد شريف من خلف مكتبه وتحرك ليقف تماماً أمام شبورة وينظر له بصرامة:
-    والله وشبرت معاك يا شبورة.. أظن متوقعتش توقع بسرعة كده..
كان شبورة مسجل خطر وليست هذه أول مرة يجد نفسه في مثل هذا الموقف، لذا جاء الرد متماسكاً مثله:
-    أنا أصلاً يا باشا.. معرفش أنتو ماسكني ليه
رد الرائد أسامة بسخرية:
-    لا يا شيخ.. تصدق صدقتك.. صدقتك بجد
انتقل الرائد شريف ليقف أمام سعيد:
-    وانت
حاول سعيد أن يستجمع نفسه لكن رغماً عنه جاء صوته مرتبك
-    أنا إيه يا باشا.. ده حتى الأخ ده كان جاي يتفق معايا على مشوار بالعربية.. بصينا لقينا البيه ده دخل علينا وجابونا على هنا وكنا ..

فجأة ارتفع صوت الرائد شريف مقاطعاً سعيد الذي خيل له أنه ينهار مع تلك الصرخة:
-    وله..
كانت عينا الرائد شريف وكأنهماً تطلقان شرر غضب بركاني.. فهذا الضابط الذي سقط في المطاردة كان صديقه ونفس دفعته.. أكمل الرائد شريف بنفس الغضب:
-    اللي عملتوه الليلة إياها.. فتح عليكو أبواب جهنم.. خطف ومحاولة اغتصاب وختمتوها بشروع في قتل ضابط.. يعني أخرتكو هتتعلقوا من رقابيكو انت وهو..
رفع شبورة رأسه وقد شعر ببعض مما يشعر به سعيد..
-    يا باشا.. أنا مش عارف سعادتـ..
التفت له الرائد شريف ورمقه بنظرة حادة جعلته يتلعثم ويحاول ابتلاع كلماته التي أبت إلا أن تبقى عالقة في حلقه..
استطرد الرائد شريف وهو يحاول أن يخفف من ثورته:
-    أقولكم.. أنا أصلاً ميهمنيش كلامكو.. حبيبكو هنا أهو.. سبقكو وشرفنا وحكى لنا كل اللي حصل.. يعني من الأخر كلامكو تحصيل حاصل
كان يشير برأسه لكرمللة الذي كان لازال ينظر للأرض متحاشياً نظرات سعيد وشبورة..
أكمل الرائد شريف:
-    إيه متعرفهوش ولا إيه؟
أجاب شبورة بشيء من الثبات:
-    دي أول مرة أشوفه يا باشا
وجه الرائد شريف كلامه لسعيد:
-    وانت يا سي سعيد.. متعرفوش انت كمان؟
أجاب سعيد بصوت مبحوح:
-    لا يا باشا..
تنهد الرائد شريف وهو متجه للجلوس خلف مكتبه:
-    طيب وماله... شكلكم بجد ناسيين.. عموماً أنا هساعدكم تفتكروا.. إيه رأيك في الكلام دي يا كرمللة؟
لأول مرة يرفع كرمللة رأسه وينظر للرائد شريف ثم يجيب:
-    منا حكيت لك كل حاجة ياباشا..
وضع الرائد شريف ساق فوق أخرى ثم قال:
-    معلش.. أصل أنا بحب الحواديت.. وبالذات اللي فيها أشكال وسخة.. اتفضل احكي يا شهر زقت...
تنقل كرمللة بنظراته بين الرائد شريف وكلا من شبورة وسعيد ثم عاد ليثب نظراته على الرائد شريف ويحكي الحكاية.. كل الحكاية..

يتبع..

ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...